اتفاق 17 ايار في عام 2026: مسيرة المارونية السياسية نحو الفناء
بمعزل عن المشاعر، هذه قرأة سياسية لا تهدف لتوجيه اتهامات بل إلى توصيف الواقع كما وصلنا إليه اليوم خصوصا إننا جيل يقف إمام تحديات جمة.
إن السياسية المارونية، بأوهامها وخياراتها، هي التي جعلت الموارنة مسؤولين، إلى حد بعيد، عن تآكل دورهم التاريخي في الدولة والمجتمع.
في عام 1983، خاضت السياسية المارونية حرباً انتهت، في نهاية المطاف، باتفاق الطائف، الذي شكّل فعلياً اتفاق هزيمة للمشروع الذي أرادته آنذاك. وحينها، لم تكن نتيجة اتفاق 17 أيار سوى 6 شباط.
ليس عيباً أن نراجع تاريخنا كموارنة وأن نعترف بأخطائنا السياسية وسقطاتنا الأخلاقية. لكن القادة موهومون، يرون العالم بمزاجية وكمالية غير واقعيتين، وعندما يرتضون الواقعية، فإنهم يرتضونها عبر نظرة أورومركزية تجعل من الغرب معياراً مطلقاً للتقدم والقوة، ومن أميركا قدراً تاريخياً لا يمكن هزيمته أو حتى زعزعته. وعندما تناقض الوقائع هذه المسلمات، يرفضون استنتاجاتها ويغرقون في نظريات المؤامرة.
ونحن، أبناء الطائفة، أصبح بعضنا، وبشكل متزايد، مقتنعاً بأن وجودنا مرتبط عضوياً بالوجود الإسلامي في المنطقة، وأن الجامع الحقيقي بيننا هو الهوية العربية الأسمى. فمن يرى أن قتل المسلمين واستباحة أرضهم وثرواتهم أمر مشروع، لن يفرّق، في نهاية المطاف، بين مسيحي ومسلم. بالنسبة لهؤلاء، إما أن نقبل أن نكون تابعين لهم في أرضنا، وأن نضع مقدراتها وثرواتها في خدمتهم، وإما أن نكون مقاومين، وعندها يصبح قتلنا وتهميشنا مبرراً في نظرهم.
وبالرغم من أن ثمن الكرامة يتزايد بشكل مرعب، وقد يكون هذا الثمن، في هذه اللحظات التاريخية، الإبادة الجماعية نفسها، إلا أن أي خطة بديلة لا تضمن لنا البقاء، بل تؤجل فنائنا فقط. إنها خطة موت بطيء وصامت، تدفع ثمنها أجيال وأجيال من البشر، يعيشون بلا حق، ولا كرامة، ولا أفق، ولا متنفس.
لقد أثبتت تجارب المنطقة أن من يتخلى عن كرامته أملاً في النجاة، لا ينال في نهاية المطاف لا الكرامة ولا النجاة. فالطرف الذي لا يميز في جوهر مشروعه بين مسلم ومسيحي، لا يميز أيضاً بين من يقاومه ومن يقبل بالخضوع له مؤقتاً.
فلتكن تجربة المسيحيين العرب في القدس نموذجاً. فرغم تمسكهم بوجودهم التاريخي والديني والوطني، وجدوا أنفسهم، كغيرهم من أبناء شعبهم، أمام مشروع لا يميز في جوهره بين مسيحي عربي ومسلم عربي. وكانت النتيجة تراجعاً ديموغرافياً مستمراً، وتضييقاً سياسياً واقتصادياً، وتحولاً تدريجياً من جماعة صاحبة أرض وتاريخ وحضور إلى جماعة تكافح من أجل مجرد البقاء.
ولتكن تجربة أوسلو والسلطة الفلسطينية نموذجاً آخر. فالتنازل، والاعتراف، والتنسيق، لم يؤدوا إلى السيادة، ولا إلى الأمن، ولا إلى الكرامة، بل إلى إدارة مستمرة للهزيمة وتأجيل للصدام، لا إلغائه. وبكل بساطة، فإن المشروع الأميركي، ضمن إطار الاحتلال الإسرائيلي والنظام الإقليمي الذي أنتجته سايكس-بيكو، لا يميز، في نهاية المطاف، بين من يرفض الخضوع ومن يقبل به مؤقتاً. فالخضوع، في هذا السياق، ليس حلاً، بل مجرد تأجيل للحظة الإخضاع الكامل.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس كيف نتجنب دفع ثمن الكرامة، بل أي ثمن نختار أن نورثه لأبنائنا: ثمن المقاومة، مهما كان باهظاً، أم ثمن حياة طويلة من العجز، والتبعية، والاختناق التاريخي، وهو الإرث ذاته الذي ورثناه نحن عن آبائنا وأجدادنا، عن معرفة أو عن غير معرفة.
هذا، برأيي، هو الانقسام الحقيقي داخل الطائفة اليوم: بين من يرى مصيرنا مع إسرائيل وامريكا، ومن بات مقتنعاً بأن بقاءنا وكرامتنا ومستقبلنا مرتبطون عضوياً بمصير شعوب هذه المنطقة. ولا أنصاف حلول بعد اليوم.

